أخر المواضيع

الاثنين، 13 ديسمبر، 2010

الأسبق والأقرب.. يشوهان قدرتك على التفكير

حول العالم

الأسبق والأقرب.. يشوهان قدرتك على التفكير

فهد عامر الأحمدي
    رغم ذكائنا وتعقيد عقولنا، يمكن لقدرتنا على الحكم والتفكير أن تتشوه لأبسط الأسباب..
فنحن مثلا نتبنى أول رأي نسمعه أو نجربه مهما بدت الأسباب التالية مقنعة ومنطقية أكثر.. فحين يخبرك شقيقك مثلا (وهذا مجرد مثال) أن حريقا التهم 300 محل ستتبنى هذا الرقم لمجرد أنك سمعته قبل أي رقم آخر، وتجد أنك تخالف تلقائيا وتصحح بإخلاص لكل من يدعي لاحقا أنه 150 محلا فقط..
فالأفكار والآراء والمعلومات التي نتلقاها سرعان ما تحتل فراغا في عقولنا وشخصياتنا بحيث يصعب حذفها أو تعديلها لأجل معلومة تتعلق بذات الموضوع (حتى لو سمعناه قبل دقيقتين فقط)..
ويا ليت الأمر يقتصر على مجرد حريق في "البطحا".. فالخطورة في موضوع الأسبقية أننا حين ننشأ أطفالا تسبق إلى عقولنا آراء ومعتقدات يصبح لها الأولوية في تشكيل آرائنا وأفكارنا ومواقفنا التالية، بل وتصبح الأساس والمقياس لكل ما نقبله ونرفضه لاحقا في سن الرشد.. وكلما تقدمنا بالسن نزداد تعصبا وانتماء للأسس القديمة حتى نصبح عاجزين تماما عن تبني أي أفكار جديدة أو مختلفة حين نصل لسن الشيخوخة ونرد إلى أرذل العمر {لكيلا يعلم بعد علم شيئا!!

... وبالإضافة لأسبقية التأثير نتبنى غالبا آراء الأقرب (فالأقرب) ضمن دائرة المعارف والأصدقاء والثقافة المحلية.. فنحن نصدق مثلا كلام الشقيق على كلام الغريب، ونصائح الأصدقاء أكثر من نصائح الخبراء، وفتاوى شيوخنا المحليين على مشايخ الأزهر وعلماء جامع الزيتونة..
فحين يخبرك شقيقك مثلا أن عدد المحلات المحترقة هي 300 تقتنع بكلامه (ليس فقط لأنه أول من أخبرك بذلك) بل وأيضا لأنه شقيقك الذي تثق به أكثر من الغريب.. وحين تستمع لنصائح أصدقائك بخصوص شراء المزيد من الأسهم قبل الانهيار الكبير (رغم تحذيرات الخبراء بقرب انفجار الفقاعة) تفعل ذلك لأنك لا تعرف "الخبراء" معرفة شخصية كأصدقائك في الاستراحة.. وحين تفضل الالتزام بفتاوى مشايخنا المحليين فلأنك ببساطة تشاركهم نفس الرؤى والمذهب، في حين تجهل الأسس الفقهية والمذهبية التي اعتمد عليها مشايخ الدول الأخرى (والانسان بطبعه عدو ما يجهل)!!
.. وحين نجمع (الرأي الأسبق مع الأقرب) نفهم كيف تسيطر الأفكار الخرافية وغير العقلانية على عقل الإنسان لمجرد أنه عرفها في سن صغيره أو سمعها من أقرباء يثق بهم ويعيش في كنفهم منذ ولادته.. وحين يصل أحدنا إلى سن الرشد (أو هكذا يفترض) تكون الأفكار السائدة في مجتمعه قد أحكمت سيطرتها على شخصيته وطريقة تفكيره - لدرجة يضع الخرافي منها في سياق ذهني مختلف لا ينفع معها أي نقاش منطقي أو استدلال عقلاني أو تعليم جامعي (ونادرا ما ينعتق أحدهم من هذا المعتقل ويشكل قناعاته الشخصية والخاصة)!!
.. لهذا السبب قد تشوه بعض المجتمعات عقول أطفالها بمعنى الكلمة (بحكم الأسبقية والقرب) وتنزع منهم بمرور العمر نعمة التفكير النقدي والتحليل المجرد.. وحتى حين ينعتق القليل من عبودية الكثير (وتنبع من داخله قناعات جديدة) يصعب عليه مخالفة الأغلبية والاعتراف علنا بأي تفسير منطقي أو عقلاني يعارض ما توافقت عليه المجموعة - فهو في النهاية إنسان ذكي ومتعلم ويدرك جيدا نتائج الخروج على المجتمع أو مخالفة اعتقاد توارثته الأجيال!!
... على أي حال؛
هناك عيوب أخرى كثيرة قد تشوه عقولنا وتمنعنا من التفكير السليم (مثل الرأي المسبق، والتعصب الأعمى، وقلة الخبرة، وطغيان العاطفة ووو...).. غير أنني فضلت اليوم الاقتصار على عنصري (الرأي الأول والأقرب) ليس فقط لأهميتهما في تشكيل الآراء وقولبة المجتمعات، بل ولأنهما يستمران معنا طوال العمر دون أن ندرك وجودهما بطريقة واعية!!

 المصدر /

ليست هناك تعليقات: